الفيض الكاشاني
211
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
* ( الآفة الخامسة الخصومة ) * وهي أيضا مذمومة وهي وراء المراء والجدال ، فالمراء طعن في كلام الغير بإظهار خلل فيه من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير وإظهار مزيد الكياسة ، والجدال عبارة عن مراء يتعلَّق بإظهار المذاهب وتقريرها ، والخصومة لجاج في الكلام ليستوفي به مال أو حقّ مقصود وذلك تارة يكون ابتداء وتارة يكون اعتراضا والمراء لا يكون إلا اعتراضا على كلام سبق فقد قالت عائشة : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ أبغض الرّجال إلى اللَّه الألدّ الخصم » ( 1 ) . وقال أبو هريرة : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط اللَّه حتّى ينزع » ( 2 ) وقال بعضهم : إياك والخصومة فإنّها تمحق الدّين ويقال : ما خاصم قطَّ ورع في الدّين . وقال ابن قتيبة : مرّ بي بشر بن عبد اللَّه بن أبي بكر فقال : ما يجلسك ؟ فقلت : خصوصة بيني وبين ابن عمّ لي فقال : إنّ لأبيك عندي يدا وإنّي أريد أن أجازيك بها وإنّي واللَّه ما رأيت شيئا أذهب للدّين ، ولا أنقص للمروّة ، ولا أضيع للَّذّة ، ولا أشغل للقلب من الخصومة ، قال : فقمت لأرجع ، فقال خصمي : مالك ؟ قلت : لا أخاصمك أبدا ، قال : عرفت أنّه حقّي ، قلت : لا ولكنّي أكرم نفسي عن هذا ، قال : فإنّي لا أطلب منك شيئا هو لك . فإن قلت : إذا كان للإنسان حقّ فلابدّ له من الخصومة في طلبه أو في حفظه مهما ظلمه ظالم فكيف يكون حكمه وكيف تذمّ خصومته ؟ فاعلم أنّ هذا الذّمّ يتناول الَّذي يخاصم بالباطل والَّذي يخاصم بالحقّ بغير علم مثل وكيل القاضي فإنّه قبل أن يعرف أنّ الحقّ في أيّ جانب هو يتوكَّل في الخصومة من أيّ جانب هي تكون فيخاصم من غير علم ويتناول الَّذي يطلب حقّه ولكنّه لا يقتصر على قدر الحاجة
--> ( 1 ) أخرجه وكيع وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عنها عن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله كما في الدر المنثور ج 1 ص 239 . ( 2 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة عن أبي هريرة بسند حسن كما في الجامع الصغير .